الحربُ "صحَّرت" الأسواق والأحلام: عيدٌ بأية حالٍ...

الحربُ "صحَّرت" الأسواق والأحلام: عيدٌ بأية حالٍ... -- Mar 19 , 2026 28

ترتبط المؤشّرات الإقتصادية الإيجابية بعلاقة توافق مع مؤشرات الأمان. فكلّما زاد الأمن والاستقرار، انتعش الاقتصاد وارتفعت أسهم الحركة التجارية، والعكس صحيح. ولبنان اليوم بعيد من الأمن والاستقرار إثر توسّع الحرب الإسرائيلية التي انطلقت مطلع الشهر الجاري، والتي تأتي بعد قرابة سنة ونصف على وقف إطلاق النار الذي بدأ في تشرين الثاني 2024 كنهاية للحرب السابقة التي شنّتها إسرائيل على لبنان في 23 تشرين الأول 2024.

ومع غياب الأمن والاستقرار، تصاب الأسواق التجارية بالتصحّر، وتتحوّل الاهتمامات نحو المستلزمات الحياتية الأساسية، وعلى رأسها المواد الغذائية والأدوية، في حين تفقد محال الألبسة والألعاب والهدايا والعطورات وما شابه، حركة الزبائن، بانتظار الانفراج. وهذه الصورة، تصيب الأسواق اليوم، وتتزامن مع اقتراب أعياد الفطر والبشارة والفصح، الأمر الذي يضيّع على التجّار فرصة الاستفادة من موسم الأعياد، وعلى الناس فرحة شراء احتياجات جديدة. واللافت للنظر، أنّ الفرصة التجارية الضائعة، تأتي بعد أرقام إيجابية من البنك الدولي حول النمو الاقتصادي في العام 2025 وتوقّعات بزيادة النمو للعام 2026.

حركة تجارية ميّتة

كانت الأسواق في كل المناطق اللبنانية تنتظر فترة منتصف شهر آذار لتنتعش على وقع اقتراب الأعياد التي تمتد حتى شهر نيسان المقبل، بدءاً من عيد الفطر. لكن هَول القصف الإسرائيلي الذي وصل إلى بيروت الإدارية، أعلن موت الحركة التجارية في العاصمة. ومن غير المنتظر أن تتحسّن الأحوال سريعاً وسط التصعيد المتمثّل بإنذارات الإخلاء المتزايدة لكل قرى الجنوب، والبدء بقصف الجسور بهدف عزل القرى عن بعضها. أمّا في بيروت وضاحيتها الجنوبية، فالمشهد لا يبشّر بالخير.

وعليه، تقتصر الحركة في الوقت الراهن على "شراء وبيع المواد الغذائية والأدوية، لأنّها المواد الأساسية والضرورية للبقاء في حالات الحرب والأزمات"، وفق ما تؤكّده مصادر في جمعية تجار بيروت، والتي تشير في حديث لـ"المدن"، إلى أنّه، بعيداً من المواد الغذائية والأدوية، فإنّ "باقي القطاعات تشهد تراجعاً جنونياً إلى ما بين 80 و90 بالمئة". وتقول المصادر إنّ "التجّار كانوا ينتظرون موسم الأعياد بدءاً من عيد الفطر لتحقيق إيرادات تتراوح بين ثلث إلى نصف الإيرادات التي تحقَّق عادة في غير موسم الأعياد".

في الوقت الحالي، لا أفق إيجابياً أمام الحركة التجارية، وكل ما ينتظره التجّار، يُحال إلى ما بعد وقف إطلاق النار المنتظر وانتهاء الحرب. ويتطلّع التجّار إلى "مواقف من الحكومة وإجراءات تتعلّق بخفض الضرائب. بالإضافة إلى تسهيلات من المصارف التي لا تقدّم اليوم قروضاً للتجّار". وبهذه التسهيلات الرسمية والمصرفية، ينتظر التجّار إصلاح ما ستدمّره الحرب. وإلى حينه، يتخوّفون من "أن يؤدّي استمرار الحرب إلى تسريح بعض المؤسسات عدداً من موظفيها، إن لم تقفل نهائياً".

لا أعياد للجنوبيين

خارج قراهم وبيوتهم، يتحضَّر الجنوبيون لاستقبال الأعياد بلا فرح. فالكثير من الجنوبيين فقدوا أحبّاء لهم، وبعضهم دمّرت بيوتهم والأنباء عن بعض البيوت الأخرى لا يزال غامضاً. كما أنّ الشتات في المدن والقرى اللبنانية تحت وطأة الحرب، أفقَدَ الهاربين من الموت، إحساسهم بالأعياد. فلا حركة شراء تُذكَر ولا نيّة لدى كثير منهم لافتعال حالة فرحٍ مزيّفة. فضلاً عن أنّ القلق المستمرّ، يدفع الناس إلى التمسّك بالمال وعدم التفريط به بسهولة، فلا أحد يعلم كم ستطول الحرب وإلى ما قد يحتاجه النازح من مستلزمات ضرورية للبقاء مقابل الكماليات التي تُشترى في الأعياد. ومع ذلك، يؤكّد الكثير من النازحين في حديث لـِ "المدن"، أنّهم سيحاولون "إبقاء الأطفال خارج دائرة الحزن. وبالتالي، فإنَّ شراء قطعة ثياب على الأقل، قد يعبّر عن التمسّك بحقّنا في الفرح وسط كل هذا الحزن. لكن بالتأكيد لن نستهلك ما نحمله من أموال في ظل المجهول الذي نعيشه". وفي المقابل، هناك مَن لن تمرّ عليه الأعياد بأي شكل من الأشكال.

الشمال مستقرّ

بعيداً من الجنوب وبيروت وضاحيتها، يختلف المشهد الاقتصادي. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تعيش منطقة الشمال أوضاعاً اقتصادية مستقرّة إلى حدّ كبير، إذ لا استهداف للمباني والسيارات والمارّة "لكن في ظل الحرب والوضع العام في لبنان، يبقى الجوّ العام في الشمال متوتّراً بفعل الحالة النفسية والاجتماعية للناس"، على حدّ تعبير رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس ولبنان الشمالي، توفيق دبّوسي، الذي أكّد لـِ "المدن"، أنَّ حركة الناس في الأسواق "مقبولة"، لكن بالرغم من ذلك "الناس تعيش جوّاً من الرعب خلال الحرب، وتصبح أولوياتها هي تأمين الأكل والشرب".

ترقّب النمو الاقتصادي

خلال العام 2025 كان لبنان يرمّم بعضاً من جروح الأزمة الاقتصادية وتداعيات ما سمّي بمعركة إسناد غزة وما تلاها من حرب انتهت بوقفٍ لإطلاق النار. ومع انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة وإقرار موازنة العام 2025 وبعدها موازنة العام الجاري، بدا أنّ الجوّ العام يتّجه نحو الاستقرار رغم استمرار الاعتداءات الإسرائيلية واحتلال 5 نقاط حدودية. فبحسب تقرير المرصد الاقتصادي للبنان، الصادر عن البنك الدولي، شهد العام 2025 نمواً اقتصادياً متواضعاً. وسجّل التقرير أنّ نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي للعام 2025 وصل إلى 3.5 في المئة. ومع استمرار الزخم الاقتصادي، توقّع البنك أن يصل النموّ في العام 2026 إلى 4 بالمئة. إلاّ أنّه ربط ذلك باستمرار الإصلاحات وورود تدفقات مالية معقولة لإعادة الإعمار، واستمرار الاستقرار السياسي. أمّا ارتفاع المخاطر، مثل التأخير في تنفيذ الإصلاحات الحيوية وعدم الاستقرار الإقليمي، فقد تعرقل مسيرة هذا التعافي الهش.

وبالفعل، فإنّ هشاشة الوضع الإقليمي تتزايد. وانفجر الوضع الأمني في لبنان بفعل الحرب الإسرائيلية المتصاعدة، والتي أدّت في أسبوعها الأوّل، إلى ابتعاد السيّاح والمغتربين عن لبنان، وارتفعت نسبة إلغاء الحجوزات إلى ما يوازي 80 بالمئة، وسجّلت حركة خروج كبيرة للأجانب من لبنان، خصوصاً الأميركيين والأوروبيين، وهذا بدوره أثّر على الحركة السياحية والتجارية التي كانت منتظرة في الأعياد. ووفق هذا الواقع التي فرضت فيه إسرائيل بصمتها في الحركة الاقتصادية للأعياد، يترقّب التجّار ما ستنتهي إليه الحرب. وعلى مستوى أوسع، ينتظر الاقتصاد اللبناني أرقام نموّ مجهولة ستفرضها تداعيات الحرب، وتكون ملطّخة بالكثير من الخسائر للتجار وللمستهلكين الذين يعانون حالياً من ارتفاع الأسعار، خصوصاً المحروقات التي بدورها تنعكس على حركة الإنتاج وتحديد أسعار السلع.

خضر حسان - المدن

أقرأ أيضاَ

الجامعات الخاصة تتكيّف... والفجوة تتعمّق بين الطلاب

أقرأ أيضاَ

أين أصبحت الزيادة على الرواتب؟